محمود محمود الغراب

106

الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر

ما يكون في طمو البحور ، فأودع الحكم في الصخور ، ثم عاد إلى مرقاه الأوسط ، وحل منه في الوسط ، وهو مقامكم الذي أنتم به قاطنون ، وعنه عند انقضاء كلامنا راحلون ، ثم لما وصل محفوظ الجوانب ، ملحوظ المآرب ، نكح المهاة « 1 » ، وأمهرها الحياة ، فسرت منه في زوايا وجود الكون ، وتخللت مسالك كل عين ، وقام ميزان العدل ، في قبة الفضل ، وزالت البغضاء ، وارتفعت الشحناء ، وظهر سلطانه في القلوب ، باختصاصات الغيوب ، لا زال مجده سنيّا ، ومكانه عليّا ، ثم نزل ، فقلت : يا أبا العلا ( أي إدريس عليه السلام ) لما اختصصت بالقلب ، فقال : لكونه الحضرة التي وسعت جلال الرب ، الموضوعة على صورة القلب ، قلت : فلم اختص القويّ بها سر المهاة ، فقال : لكونه معدن الحياة ، وسيبدو لك في روحانية كل سماء ، ما يقابله منك من القوى والأعضاء ، فقلت له : أريد أن توقفني مشاهدة عين ، على تأثيراتك في قلوب العارفين ، والعلماء والمريدين من عالم الكون ، وما تعطيه أفلاكك ، وما تهبه أملاكك ، فأشار إلى بعض جلسائه ، وأكرم خدمائه ، وقال : اخترق به الدور المربع ، وأشرف به على الكون المسبع ، فإذا حصل مفاتيح الخزائن ، وموازين المعادن ، رده إليّ ، وأحضره بين يدي ، فاخترق بي تسعين فلكا ، فرأيت مع كل فلك ملكا ، يرجع أمر هؤلاء الأملاك إلى ثلاثة أملاك : الملك الواحد موكل بالتحليل ، والملك الآخر موكل بالموت ، والملك الآخر موكل بالأنفاس ، ومدة تدبيرهم في العالم ثلاثة وثلاثون ألف سنة ، وتدبيراتهم شريفة حسنة ، بين أيديهم سبعة أملاك على صورة المردان ، كأنهم قضبان خيزران ، لهم انثناء وانعطاف ، وبركات وألطاف ، لا نبات بعوارضهم ، ولا تأخر عندهم في أداء فرائضهم ، أعرافهم طيبة الروائح ، بأيديهم الطوالع والمفاتح ، قد شمروا أذيالهم ، وقصروا أرادنهم ، وثبتوا مكانهم ، علّامون بما يراد منهم ، محكمون لما يصدر عنهم ، منهم خمسة لهم حركة واحدة ، واثنان لهم حركتان ، واثنان منهم بين يدي ملك التحليل ، واثنان منهم بين يدي ملك الأنفاس ، وواحد منهم بين يدي ملك الموت ، ما عندهم علم بغير ما هو سلطانهم عليه ، وأما الاثنان ، فالواحد منهم له علم التحليل والموت ، والآخر له علم

--> ( 1 ) المهاة الشمس ، وهي في الاعتبار الروح ، والنكاح هنا نفخ الروح في الجسد المسوى ، فسرت في جميع أجزائه الحياة ، فشبهه بإضاءة الكون بطلوع الشمس .